السيد عباس علي الموسوي

234

شرح نهج البلاغة

28 - ومن خطبة له عليه السلام وهو فصل من الخطبة التي أولها « الحمد للهّ غير مقنوط من رحمته » وفيه أحد عشر تنبيها أمّا بعد ، فإنّ الدّنيا أدبرت ، وآذنت بوداع وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع ، ألا وإنّ اليوم المضمار ، وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة ، والغاية النّار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيتّه ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ألا وإنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ، ولم يضرره أجله . ومن قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر عمله ، وضرهّ أجله . ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ، ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنّار نام هاربها ، ألا وإنهّ من لا ينفعه الحقّ يضرهّ الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى ، يجرّ به الضّلال إلى الرّدى . ألا وإنّكم قد أمرتم بالظّعن ، ودللتم على الزّاد ، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم أثنتان : أتّباع الهوى ، وطول الأمل ، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا . قال السيد الشريف - رضي اللّه عنه - وأقول : إنهّ لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا ، ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعا لعلائق الآمال ، وقادحا زناد الاتعاظ والازدجار ، ومن أعجبه قوله عليه السلام : « ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة والغاية النّار » فإن فيه - مع فخامة اللفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التمثيل ،